محمد جمال الدين القاسمي
217
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لنجاة عظيمة . وقد جعلني سبحانه أبا لفرعون ، وسيدا لجميع أهله ، ومتسلطا على جميع أرض مصر ، فبادروا وأشخصوا إلى أبي وأخبروه بجميع مجدي بمصر ، وما رأيتموه وقولوا له : كذا قال ابنك يوسف : قد جعلني اللّه سيدا لجميع المصريين ، فهلمّ إليّ ، فتقم في أرض جاسان ، وتكون قريبا مني أنت وبنوك ، وبنو بنيك ، ومواشيك ، وجميع ما هو لك ، وأعولك ، هاهنا ، فقد بقي خمس سنين مجدبة ، فأخشى أن يهلك الأهل والمال . وكان نما الخبر إلى بيت فرعون . وقيل : جاء إخوة يوسف ، فسرّ بذلك فرعون وخاصته وأمره أيضا بأن يؤكد عليهم إتيانهم بأبيهم وأهلهم ، ووعدهم خير أرض في مصر تكون لهم ، لئلا يأسفوا على ما خلّفوا . ثم زود يوسف إخوته أحسن زاد . وأعطاهم من الحلل والثياب والدراهم مقدارا وافرا ، وبعث إلى أبيه بمثل ذلك ، وأصحبهم عجلات لأطفالهم ونسائهم ، وأوصاهم ألا يتخاصموا في الطريق - واللّه أعلم - . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 94 ] وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ( 94 ) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ أي خرجت من مصر . يقال : فصل القوم عن المكان وانفصلوا ، بمعنى فارقوه قالَ أَبُوهُمْ أي : لحفدته ومن حوله من قومه ، من عظم اشتياقه ليوسف ، وانتظاره لروح الله : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ الريح : الرائحة ، توجد في النسيم . أي : لأتنسم رائحته مقبلة إليّ . كناية عن تحققه وجوده بما ألقى اللّه في روعه من حياته ، وساق إليه من نسائم البشارة الغيبية بسلامته . وقد كان عظم رجاؤه بذلك من مولاه ، ووثق بنيل مأموله ومبتغاه ، ولذلك نهى نبيه عن الاستيئاس من روح اللّه . وإذا دنا أجل الضراء ، أخذت تهب نسائم الفرج حاملة عرف السراء ، يدري ذلك كل من قوي إحساسه ، وعظمت فطنته ، واستنارت بصيرته ، فيكاد أن يلمس في نهاية الشدة زهر الفرج ، ولا يحنث إن آلى أنه يجد من نسيمه أزكى الفرج . عرف ذلك من عرف ، فأحرى بمن نالوا من النبوة ذروة الشرف . وإضافة الريح إلى الولد معروفة في كلامهم : وفي حديث عند الطبرانيّ : ريح الولد من ريح الجنة : وقال الشاعر :